ابن المقفع
128
آثار ابن المقفع
ولا أظن الأسد الا قد حمل عليّ بالكذب وشبّه « 1 » عليه أمري . فإن الأسد قد صحبه قوم سوء وجرب منهم الكذب وأمورا تصدق إذا بلغته عن غيرهم . فإن صحبة الأشرار ربما أورثت صاحبها سوء ظن بالأخيار ، وحمله ما يختبره منهم على الخطأ في حق غيرهم . كخطإ البطة التي زعموا أنها رأت في الماء ضوء كوكب فظنته سمكة فحاولت أن تصيدها . فلما جربت ذلك مرارا علمت أنه ليس بشيء يصاد فتركته . ثم رأت من غد ذلك اليوم سمكة فظنت أنها مثل الذي رأته بالأمس فتركتها ولم تطلب صيدها . فإن كان الأسد قد بلغه عني كذب فصدّقه عليّ وسمعه فيّ ، فما جرى على غيري يجري عليّ ؛ وإن كان لم يبلغه شيء وأراد السوء بي من غير علة ، فإن ذلك لمن أعجب الأمور . وقد كان يقال : إن من العجب أن يطلب الرجل رضى صاحبه ولا يرضى ، وأعجب من ذلك أن يلتمس رضاه فيسخط . فإذا كانت الموجدة « 2 » عن علة كان الرضى موجودا والعفو مأمولا ، وإذا كانت عن غير علة انقطع الرجاء ، لأن العلة إذا كانت الموجودة في ورودها « 3 » كان الرضى مأمولا في صدورها « 4 » . وقد نظرت فلا أعلم بيني وبين الأسد جرما ولا كبير ذنب ولا صغيره . ولعمري ، لا يستطيع أحد أطال صحبة صاحب أن يحترس في كل شيء من أمره ، ولا أن يتحفظ من أن يكون منه كبيرة أو صغيرة يكرهها صاحبه . ولكن الرجل ذا العقل والوفاء إذا سقط عنده صاحبه سقطة نظر فيها وعرف قدر مبلغ خطئه عمدا كان أو خطأ ،
--> ( 1 ) شبه : التبس . ( 2 ) الموجدة : الغضب . ( 3 ) ورودها : نزولها ، والضمير فيها يرجع للعلة . ( 4 ) صدورها ؛ خلاف ورودها اي ابتعادها . يقال ورد الماء . إذا اتاه وصدر عنه . إذا رجع عنه .